سيد محمد طنطاوي

98

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - * ( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) * بيان لعموم قدرته ، وشمول إرادته . أي أنه - سبحانه - يغفر لمن يشاء أن يغفر له من خلقه ، وهم المؤمنون به وبرسله ، ويعذب من يشاء أن يعذبه منهم ، وهم المنحرفون عن طريق الحق والهدى ، لا راد لقضائه . ولا معقب لحكمه . وقوله * ( ولِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما وإِلَيْه الْمَصِيرُ ) * تذييل قصد به تأكيد ما قبله من عموم قدرته ، وشمول إرادته وهيمنته على سائر خلقه . أي : وللَّه - تعالى - وحده ملك جميع الموجودات وهو صاحب التصرف المطلق فيها ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وإليه وحده مصير الخلق يوم القيامة فيجازيهم على ما عملوا من خير أو شر . قال - تعالى - فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه . ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه . وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت حجة اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم * ( أَبْناءُ اللَّه وأَحِبَّاؤُه ) * وأثبتت بالمنطق الواضح أنهم كذابون فيما يدعون وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالإيمان والعمل الصالح . وبعد أن بين - سبحانه - فساد أقوال أهل الكتاب وبطلان عقائدهم ، ورد عليهم بما لا يدع للعاقل متمسكا بتلك الضلالات . أتبع ذلك بتوجيه نداء آخر إليهم تكريرا لوعظهم ، وتحريضا لهم على اتباع الحق فقال - تعالى - [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 19 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 ) أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قال معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود : يا معشر اليهود ، اتقوا اللَّه وأسلموا ، فو اللَّه إنكم لتعلمون أنه رسول اللَّه . لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته . فقال رافع بن حرملة ووهب بن يهوذا : ما قلنا هذا لكم ، وما أنزل اللَّه من كتاب من بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده ، فأنزل اللَّه